عند متابعة الأسواق المالية، قد تلاحظ أن عدة أصول تتحرك في الاتجاه نفسه خلال فترات معينة، ثم تنعكس الصورة بالكامل عندما يتغير مزاج المستثمرين.
قد يرتفع سوق الأسهم والعملات ذات المخاطر الأعلى في وقت واحد، بينما يتراجع الذهب والدولار. وفي أوقات أخرى، يحدث العكس تمامًا: تتراجع الأسهم والعملات عالية المخاطر، بينما يتجه المستثمرون نحو الذهب والدولار والسندات.
لفهم هذه التحركات، يستخدم المتداولون مصطلحين مهمين جدًا:
هذان المصطلحان لا يشيران إلى مؤشر محدد أو استراتيجية تداول، بل يصفان حالة شهية المستثمرين تجاه المخاطرة في الأسواق.
فماذا يعني كل منهما؟ وما الأصول التي تستفيد في كل حالة؟ وكيف يمكن للمتداول الاستفادة من فهم هذه الدورة؟
أولًا: ما معنى Risk-On؟
مصطلح Risk-On يعني ببساطة أن المستثمرين أصبحوا أكثر استعدادًا لتحمل المخاطر بحثًا عن عوائد أعلى.
عندما تكون الثقة مرتفعة تجاه الاقتصاد والأسواق، يميل المستثمرون إلى نقل جزء أكبر من أموالهم إلى الأصول التي يمكن أن تحقق عوائد أعلى، حتى لو كانت أكثر تقلبًا أو مخاطرة.
في هذه الحالة قد نرى:
- ارتفاع مؤشرات الأسهم.
- ارتفاع أسهم الشركات ذات النمو المرتفع.
- تحسن أداء العملات المرتبطة بالسلع والاقتصادات القوية.
- ارتفاع بعض الأصول والعملات الرقمية.
- تراجع الطلب على بعض أصول الملاذ الآمن.
الفكرة الأساسية هنا هي أن المستثمر لا يبحث فقط عن حماية رأس المال، بل يصبح مستعدًا لتحمل قدر أكبر من المخاطرة مقابل فرصة تحقيق عائد أكبر.
على سبيل المثال، إذا أظهرت البيانات الاقتصادية أن الاقتصاد الأمريكي ينمو بشكل جيد، بينما بدأت مخاوف التضخم بالانخفاض وأصبحت توقعات المستثمرين أكثر تفاؤلًا، فقد تتحسن شهية المخاطرة.
وهنا قد ينتقل جزء من رأس المال من الأصول الدفاعية إلى الأسهم والأصول الأكثر مخاطرة.
ثانيًا: ما معنى Risk-Off؟
أما Risk-Off فهي الحالة المعاكسة.
في هذه المرحلة يصبح المستثمرون أكثر قلقًا بشأن الاقتصاد أو الأسواق، وبالتالي يبدأون في تقليل تعرضهم للأصول عالية المخاطر والبحث عن أصول يرون أنها أكثر أمانًا أو أكثر قدرة على الحفاظ على القيمة.
قد تحدث هذه الحالة بسبب:
- أزمة اقتصادية.
- توترات جيوسياسية.
- انهيار حاد في الأسواق.
- ارتفاع مفاجئ في التضخم.
- مخاوف من الركود.
- أزمة مصرفية أو مالية.
- بيانات اقتصادية أسوأ من المتوقع.
- ارتفاع كبير في عدم اليقين.
عندما تزداد المخاوف، لا يكون السؤال الأساسي للمستثمر هو: كم يمكنني أن أربح؟
بل يصبح السؤال:
كيف أحمي رأس المال؟
وهنا تبدأ تدفقات الأموال نحو الأصول التي تعتبر أكثر دفاعية.
ما الأصول التي تتحرك في Risk-On وRisk-Off؟
من المهم التأكيد أن الأسواق لا تتحرك دائمًا بطريقة ميكانيكية.
لكن هناك بعض الأنماط التي تتكرر كثيرًا.
في بيئة Risk-On
قد نشاهد قوة في:
الأسهم → العملات عالية المخاطر → السلع وبعض الأصول الرقمية
وفي المقابل قد يقل الطلب على بعض الأصول الدفاعية.
في بيئة Risk-Off
قد نشاهد عادةً:
بيع الأسهم → ارتفاع الطلب على السيولة والأصول الدفاعية → زيادة الطلب على بعض الملاذات الآمنة
ومن أبرز الأصول التي يراقبها المتداولون في هذه البيئة:
- الذهب.
- الدولار الأمريكي.
- السندات الحكومية، خصوصًا الأمريكية.
- الين الياباني في كثير من الحالات.
لكن هنا توجد نقطة مهمة جدًا:
ليس معنى Risk-Off أن الذهب والدولار سيرتفعان دائمًا معًا.
وهذا من أكثر الأخطاء الشائعة عند محاولة تطبيق المفهوم على التداول.
لماذا يعتبر الذهب مهمًا في Risk-Off؟
يُنظر إلى الذهب تاريخيًا باعتباره أحد الأصول التي يمكن أن تستفيد من ارتفاع حالة عدم اليقين.
عندما تزداد المخاوف في الأسواق، قد يبحث المستثمرون عن أصول لا تعتمد بشكل مباشر على أرباح شركة أو أداء اقتصاد واحد.
ولهذا قد يرتفع الطلب على الذهب خلال بعض فترات التوتر والأزمات.
لكن الذهب لا يتحرك بسبب الخوف وحده.
فهناك عوامل أخرى شديدة الأهمية مثل:
- أسعار الفائدة.
- العوائد الحقيقية.
- قوة الدولار.
- توقعات السياسة النقدية.
- التضخم.
- مشتريات البنوك المركزية.
- تدفقات المستثمرين.
لذلك قد تحدث حالة Risk-Off بينما يتراجع الذهب في الوقت نفسه إذا كانت هناك عوامل أخرى تضغط عليه بقوة.
وهذه نقطة أساسية:
Risk-On وRisk-Off يساعدانك على فهم البيئة العامة، لكنهما ليسا إشارة شراء أو بيع بحد ذاتهما.
وماذا عن الدولار؟
الدولار الأمريكي حالة مثيرة للاهتمام.
في فترات التوتر العالمي، قد يرتفع الطلب على الدولار بسبب مكانته كعملة احتياطية عالمية، إضافة إلى حاجة المستثمرين والشركات إلى السيولة بالدولار.
ولهذا قد نشاهد في بعض حالات Risk-Off:
ارتفاع الدولار + تراجع الأسهم + ارتفاع الذهب.
لكن هذا لا يعني أن هذه الحركة ستحدث في كل مرة.
فإذا كان سبب الخوف في السوق مرتبطًا بالولايات المتحدة نفسها، أو كانت الأسواق تتوقع خفضًا قويًا للفائدة الأمريكية، فقد تتغير العلاقة.
لذلك لا يجب اختصار الموضوع في قاعدة:
Risk-Off = اشترِ الذهب والدولار.
السوق أكثر تعقيدًا من ذلك.
كيف تعرف أن السوق في حالة Risk-On؟
بدل الاعتماد على أصل واحد، من الأفضل مراقبة مجموعة من الإشارات.
إذا لاحظت مثلًا:
- ارتفاع مؤشرات الأسهم.
- تحسن أداء أسهم النمو.
- انخفاض مؤشر الخوف VIX.
- تحسن معنويات المستثمرين.
- ارتفاع العملات المرتبطة بالسلع.
- تحسن أداء الأصول عالية المخاطر.
- تراجع الطلب على بعض الأصول الدفاعية.
فقد تكون البيئة أقرب إلى Risk-On.
لكن الأفضل دائمًا النظر إلى الصورة الكاملة بدل الاعتماد على إشارة واحدة.
وكيف تعرف أن السوق في حالة Risk-Off؟
يمكن البحث عن مجموعة مختلفة من الإشارات.
مثل:
- هبوط قوي في مؤشرات الأسهم.
- ارتفاع التقلبات.
- صعود مؤشر VIX.
- زيادة المخاوف الاقتصادية.
- تراجع العملات عالية المخاطر.
- زيادة الطلب على بعض الأصول الدفاعية.
- ارتفاع الطلب على السيولة.
- ارتفاع أسعار بعض السندات الحكومية.
كلما اجتمعت عدة إشارات من هذه المجموعة، أصبحت فرضية Risk-Off أقوى.
مثال عملي
لنفترض أن الأسواق تنتظر قرارًا مهمًا من الاحتياطي الفيدرالي.
قبل القرار، تظهر بيانات اقتصادية ضعيفة، وترتفع المخاوف من تباطؤ الاقتصاد الأمريكي.
في البداية يبدأ المستثمرون بتقليل مراكزهم في الأسهم.
تنخفض مؤشرات مثل S&P 500 وNasdaq.
في الوقت نفسه يرتفع VIX بسبب زيادة التقلبات والخوف.
يبدأ المستثمرون في البحث عن أصول أكثر دفاعية.
هنا يمكن أن نكون أمام تحول من:
Risk-On → Risk-Off
لكن ماذا يحدث للذهب؟
إذا كانت المخاوف الاقتصادية تدفع الأسواق أيضًا إلى توقع خفض الفائدة، فقد يحصل الذهب على دعم إضافي.
أما الدولار، فقد يرتفع إذا كان هناك طلب قوي على السيولة، أو قد يتراجع إذا أصبحت توقعات خفض الفائدة هي العامل المسيطر.
وهنا يظهر الفرق بين فهم البيئة والتنبؤ بحركة أصل واحد.
Risk-On وRisk-Off لا يعنيان أن كل شيء يتحرك في اتجاه واحد
هذه نقطة مهمة جدًا للمتداول.
قد تكون البيئة العامة Risk-Off، ومع ذلك يرتفع أصل معين.
لماذا؟
لأن حركة الأصل تعتمد على مجموعة من العوامل.
فمثلًا، قد تكون الأسواق خائفة من أزمة اقتصادية، وهذا يدعم الذهب، لكن في الوقت نفسه قد يرتفع الدولار بقوة بسبب الطلب على السيولة.
وفي سيناريو آخر، قد تتراجع الأسهم بسبب توقعات ارتفاع الفائدة، بينما يتراجع الذهب أيضًا لأن ارتفاع العوائد والدولار يضغطان عليه.
إذن:
Risk-On وRisk-Off يصفان المزاج العام، وليس نتيجة كل أصل بشكل منفصل.
ما علاقة VIX بالموضوع؟
يُعرف VIX باسم “مؤشر الخوف”، وهو من المؤشرات التي يستخدمها المتداولون لمراقبة توقعات التقلب في سوق الأسهم الأمريكية.
عندما ترتفع المخاوف والتقلبات المتوقعة، يميل VIX إلى الارتفاع.
وعندما تهدأ الأسواق، يميل إلى الانخفاض.
لذلك يمكن استخدامه كأداة مساعدة لفهم حالة السوق.
لكن مرة أخرى، لا يجب استخدامه وحده.
ارتفاع VIX لا يعني تلقائيًا أن الذهب سيرتفع، ولا يعني أن الدولار سيهبط أو يرتفع.
هو مجرد جزء من الصورة.
كيف يستخدم المتداول Risk-On وRisk-Off؟
الفائدة الحقيقية من هذا المفهوم ليست في حفظ قائمة بالأصول.
الفائدة هي أن تستخدمه كـ فلتر للسوق.
لنفترض أنك تتداول الذهب.
قبل أن تبحث عن نقطة دخول على إطار زمني صغير، يمكنك أن تسأل:
ما البيئة الحالية؟
هل الأسواق في حالة Risk-On أم Risk-Off؟
ثم تنتقل إلى العوامل الأخرى:
- ماذا يفعل الدولار؟
- ماذا تفعل عوائد السندات؟
- ما توقعات الفائدة؟
- ما البيانات الاقتصادية القادمة؟
- هل هناك حدث جيوسياسي؟
- ماذا يفعل الذهب على الإطار الزمني الأكبر؟
- أين توجد السيولة؟
- ما هي بنية السوق؟
بهذه الطريقة يصبح Risk-On/Risk-Off جزءًا من السياق العام للتحليل وليس استراتيجية منفصلة.
هل يمكن استخدام Risk-On وRisk-Off في التحليل الفني؟
نعم، ولكن بطريقة غير مباشرة.
التحليل الفني يخبرك بما يحدث في السعر، بينما Risk-On وRisk-Off يساعدانك على فهم لماذا قد يكون المستثمرون مستعدين لتحمل المخاطر أو تجنبها.
على سبيل المثال، إذا لاحظت على الإطار اليومي أن مؤشرات الأسهم في اتجاه صاعد، بينما التقلب منخفض والعملات عالية المخاطر قوية، فقد تكون البيئة العامة داعمة للمخاطرة.
إذا كنت تراقب الذهب في هذه الحالة، فقد تحتاج إلى التعامل مع أي صعود بحذر أكبر إذا كانت بقية العوامل لا تدعمه.
أما إذا بدأت الأسهم بالانهيار، وارتفع VIX، وزادت المخاوف الاقتصادية والجيوسياسية، فقد تصبح البيئة أكثر ملاءمة لفكرة Risk-Off.
بعد ذلك تستطيع استخدام أدواتك الفنية لتحديد:
الاتجاه → مناطق السيولة → مناطق الاهتمام → نقطة الدخول → وقف الخسارة → الهدف.
وهنا يصبح التحليل أكثر تكاملًا.
الخطأ الأكبر: تحويل Risk-On وRisk-Off إلى استراتيجية
من السهل جدًا أن يقع المتداول في هذا الخطأ.
قد يقرأ:
Risk-Off = ذهب
فيقرر شراء الذهب مباشرة.
لكن السوق قد يكون Risk-Off بسبب ارتفاع التضخم، بينما تتوقع الأسواق في الوقت نفسه تشديدًا نقديًا قويًا.
في هذه الحالة يمكن أن يتعرض الذهب لضغط رغم وجود حالة خوف.
وبالمثل، قد تكون الأسواق في حالة Risk-On، لكن أحد الأسهم ينهار بسبب خبر خاص بالشركة.
لذلك يجب أن تفرق بين:
حالة السوق العامة و العوامل الخاصة بكل أصل.
الخلاصة
يمكن تلخيص المفهوم ببساطة:
Risk-On يعني أن المستثمرين أكثر استعدادًا لتحمل المخاطر، وغالبًا ما يتجه رأس المال نحو الأصول ذات المخاطر والعوائد المحتملة الأعلى.
أما Risk-Off فيعني ارتفاع الحذر والخوف، ويميل المستثمرون خلاله إلى تقليل المخاطر والبحث عن الأصول الدفاعية والسيولة.
لكن لا توجد قاعدة ثابتة تقول إن أصلًا معينًا سيرتفع في كل حالة.
فالأسواق تتأثر في الوقت نفسه بـ:
الفائدة + التضخم + الدولار + العوائد + البيانات الاقتصادية + الجيوسياسة + السيولة + معنويات المستثمرين.
ولهذا، فإن فهم Risk-On وRisk-Off لا يمنحك إشارة تداول جاهزة، لكنه يمنحك شيئًا أهم:
فهم البيئة التي يتحرك داخلها السوق.
وبالنسبة للمتداول، معرفة اتجاه السوق وحدها لا تكفي.
قد تجد أفضل نموذج فني على الذهب، لكن إذا تجاهلت البيئة الاقتصادية والسيولة والأحداث الكبرى، فقد تفشل في فهم سبب الحركة.
لذلك اجعل السؤال:
هل السوق Risk-On أم Risk-Off؟
واحدًا من الأسئلة التي تطرحها قبل أن تبدأ تحليل الصفقة، وليس سببًا كافيًا للدخول فيها.
افتح حسابك التداول الآن مع وجهة للوساطة المالية