Preloader
تشارلز داو

عندما يتحدث المتداولون والمستثمرون اليوم عن الاتجاهات أو عن أهمية متابعة حركة السعر أو عن فكرة أن السوق يعكس كل شيء فإنهم في الحقيقة يعودون بجذور هذه الأفكار إلى رجل عاش قبل أكثر من مئة عام. رجل لم يكن متداولا محترفا بالمعنى المعروف اليوم ولم يكن يملك برامج تحليل أو شاشات أسعار أو منصات إلكترونية. ومع ذلك استطاع أن يضع الأساس الفكري الذي بني عليه التحليل الفني الحديث بأكمله. هذا الرجل هو تشارلز داو.

يعتبر تشارلز داو واحدا من أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ الأسواق المالية. فالكثير من المبادئ التي يعتمد عليها المستثمرون اليوم في الأسهم والعملات والسلع وحتى العملات الرقمية تعود بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الأفكار التي طرحها في نهاية القرن التاسع عشر. ولهذا السبب ينظر إليه الكثيرون باعتباره الأب الروحي للتحليل الفني الحديث.

كيف بدأ حياته؟

ولد تشارلز هنري داو عام 1851 في ولاية كونيتيكت الأمريكية داخل عائلة بسيطة تعمل في الزراعة. لم تكن حياته في بدايتها مرتبطة بعالم المال أو الأعمال. بل نشأ في بيئة ريفية بعيدة تماما عن وول ستريت وعن البنوك وعن الشركات الكبرى التي أصبحت لاحقا جزءا أساسيا من حياته المهنية.

بدأ داو حياته المهنية كصحفي. وكان شغفه الحقيقي هو البحث عن المعلومات وتحليلها وتقديمها بطريقة مبسطة للقارئ. عمل في عدد من الصحف المحلية وكتب تقارير اقتصادية وتجارية متنوعة. ومع مرور الوقت بدأ يلاحظ أن عالم المال والأعمال يعاني من مشكلة كبيرة تتمثل في نقص المعلومات الدقيقة والواضحة للمستثمرين.

في تلك الفترة كانت الأسواق المالية مختلفة تماما عن الأسواق الحالية. لم يكن هناك إنترنت أو منصات تداول أو نشر فوري للأخبار. وكانت المعلومات تصل إلى المستثمرين ببطء شديد. وفي كثير من الأحيان كان كبار المستثمرين يحصلون على الأخبار المهمة قبل الجميع. الأمر الذي كان يمنحهم أفضلية كبيرة على بقية المشاركين في السوق.

لاحظ تشارلز داو هذه المشكلة وبدأ يفكر بطريقة تجعل المعلومات الاقتصادية متاحة بصورة أوضح وأسرع وأكثر عدالة. ومن هنا بدأت رحلته الحقيقية مع عالم الأسواق المالية.

تأسيس شركة داو جونز وشركاه

في عام 1882 شارك تشارلز داو مع إدوارد جونز وتشارلز بيرغستريسر في تأسيس شركة داو جونز وشركاه. وكان الهدف من هذه الشركة تقديم الأخبار والمعلومات المالية للمستثمرين بطريقة دقيقة ومنظمة وسهلة الفهم.

سرعان ما أصبحت الشركة مصدرا مهما للأخبار الاقتصادية داخل الولايات المتحدة. ولم تكتف الشركة بنشر الأخبار فقط بل بدأت أيضا في تحليل أوضاع الشركات والأسواق وتقديم رؤى تساعد المستثمرين على فهم ما يحدث داخل الاقتصاد الأمريكي.

إطلاق صحيفة وول ستريت جورنال

في عام 1889 أطلقت الشركة صحيفة وول ستريت جورنال التي أصبحت لاحقا واحدة من أشهر الصحف الاقتصادية في العالم وأكثرها تأثيرا. وحتى يومنا هذا ما زالت الصحيفة تعتبر مرجعا رئيسيا للمستثمرين والمؤسسات المالية حول العالم.

لكن الإنجاز الأكبر الذي ارتبط باسم تشارلز داو لم يكن تأسيس الصحيفة فقط. بل كان إنشاء مؤشر داو جونز الصناعي.

في عام 1896 قام داو بإطلاق مؤشر يضم عددا من أكبر الشركات الصناعية الأمريكية بهدف قياس الأداء العام للاقتصاد الأمريكي والأسواق المالية. كان يعتقد أن متابعة شركة واحدة لا تكفي لفهم السوق بالكامل. لذلك احتاج إلى أداة تعكس الصورة العامة للحركة الاقتصادية.

بدأ المؤشر بعدد محدود من الشركات الصناعية الكبرى. ومع مرور السنوات تطور المؤشر وأصبح من أشهر المؤشرات المالية في العالم وأكثرها متابعة وتأثيرا ويعرف اليوم بمؤشر داو جونز الصناعي

لكن أهمية تشارلز داو لم تأت من المؤشر وحده. بل من الأفكار التي خرج بها أثناء مراقبته الطويلة للأسواق.

خلال عمله كصحفي ومحلل بدأ داو يلاحظ أن حركة الأسعار ليست عشوائية كما كان يعتقد الكثيرون في ذلك الوقت. بل وجد أن السوق يتحرك وفق أنماط واتجاهات يمكن دراستها وفهمها.

ومن هنا ولدت نظرية داو.

لم يقم داو بكتابة كتاب يحمل اسم النظرية بشكل مباشر. بل كانت أفكاره منشورة على شكل مقالات وتحليلات داخل صحيفة وول ستريت جورنال. وبعد وفاته قام عدد من الباحثين والمحللين بجمع هذه الأفكار وتنظيمها فيما أصبح يعرف اليوم باسم نظرية داو.

تقوم النظرية على مجموعة من المبادئ التي أصبحت لاحقا حجر الأساس للتحليل الفني الحديث.

المبدأ الأول يقول إن السوق يعكس كل شيء.

كان داو يعتقد أن جميع المعلومات المتاحة للمستثمرين موجودة بالفعل داخل السعر الحالي. الأخبار الاقتصادية والسياسية وتوقعات المستثمرين ومستويات التفاؤل والخوف كلها تنعكس في حركة السعر.

هذه الفكرة تعتبر اليوم من أهم المبادئ المستخدمة في التحليل الفني. فالمحلل الفني لا يحاول معرفة كل خبر أو كل معلومة بقدر ما يحاول فهم تأثير تلك المعلومات على السعر.

المبدأ الثاني يقول إن السوق يتحرك في اتجاهات.

لاحظ داو أن الأسعار لا تتحرك بطريقة عشوائية طوال الوقت. بل تميل إلى السير في اتجاهات واضحة قد تستمر لفترات طويلة نسبيا.

قسم داو الاتجاهات إلى ثلاثة أنواع رئيسية.

اتجاه صاعد.

اتجاه هابط.

اتجاه عرضي.

ويعتبر هذا التقسيم من أكثر المفاهيم استخداما حتى يومنا هذا في جميع الأسواق المالية.

المبدأ الثالث يتحدث عن المراحل التي يمر بها كل اتجاه.

رأى داو أن الأسواق تمر عادة بثلاث مراحل أساسية.

مرحلة التجميع.

في هذه المرحلة يبدأ المستثمرون الكبار والمؤسسات الذكية بالشراء أو البيع بعيدا عن انتباه الجمهور.

مرحلة المشاركة العامة.

وهي المرحلة التي يبدأ خلالها الاتجاه بالظهور بشكل واضح ويبدأ عدد أكبر من المستثمرين بالدخول إلى السوق.

مرحلة التوزيع.

في هذه المرحلة تبدأ المؤسسات الكبيرة بالخروج التدريجي من مراكزها بينما يستمر المستثمرون الأفراد بالدخول متأخرين نسبيا.

هذا المفهوم أصبح لاحقا أساسا مهما في مدرسة ويكوف الشهيرة.

المبدأ الرابع يتمثل في ضرورة تأكيد المؤشرات لبعضها.

كان داو يعتقد أن أي اتجاه لا يمكن اعتباره موثوقا بشكل كامل ما لم تؤكد المؤشرات الرئيسية هذا الاتجاه.

فإذا حقق أحد المؤشرات قمما جديدة بينما فشل مؤشر آخر في تحقيق نفس الأداء فإن ذلك قد يكون إشارة إلى ضعف الاتجاه الحالي.

حتى اليوم ما زال هذا المفهوم مستخدما في تحليل الأسواق العالمية.

المبدأ الخامس يقول إن حجم التداول يؤكد الاتجاه.

ففي الاتجاه الصاعد من المفترض أن يزداد حجم التداول مع الصعود وأن يتراجع خلال التصحيحات الهابطة.

أما في الاتجاه الهابط فمن الطبيعي أن يزداد الحجم أثناء الهبوط وأن ينخفض أثناء الارتدادات الصاعدة.

ويعتبر هذا المبدأ من أكثر المبادئ التي يعتمد عليها المحللون الفنيون عند تقييم قوة الاتجاه.

ورغم مرور أكثر من مئة عام على وفاة تشارلز داو فإن تأثيره ما زال حاضرا بقوة في الأسواق الحديثة.

جميع المدارس الفنية تقريبا استفادت من أفكاره بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

  • نظرية ويكوف اعتمدت على فكرة مراحل السوق.
  • نظرية إليوت اعتمدت على فكرة الاتجاهات والحركات المتكررة.
  • التحليل الكلاسيكي اعتمد على مفهوم الاتجاهات والدعوم والمقاومات.

حتى المتداولون الذين يستخدمون الخوارزميات والذكاء الاصطناعي ما زالوا يعتمدون في النهاية على المفاهيم الأساسية التي وضعها داو قبل أكثر من قرن.

توفي تشارلز داو عام 1902 عن عمر بلغ واحدا وخمسين عاما فقط. ورغم أن حياته كانت قصيرة نسبيا فإن تأثيره كان هائلا واستمر لعقود طويلة بعد وفاته.

قد لا يعرف الكثير من المستثمرين الجدد تفاصيل حياته أو قصته الشخصية. لكن معظمهم يستخدم يوميا أفكارا ومفاهيم تعود إليه بشكل مباشر.

عندما يتحدث المتداول عن الاتجاه العام للسوق فهو يستخدم إرث تشارلز داو.

وعندما يبحث المستثمر عن تأكيد للحركة باستخدام حجم التداول فهو يستخدم إرث تشارلز داو.

وعندما يحاول المحلل فهم سلوك المؤسسات ومراحل السوق فهو يستخدم إرث تشارلز داو.

خلاصة المقال:

لم يكن تشارلز داو مجرد صحفي اقتصادي أو مؤسس لمؤشر شهير. بل كان أول من حاول تحويل الأسواق المالية من عالم يعتمد على الإشاعات والتوقعات العشوائية إلى عالم يمكن دراسته وتحليله وفهمه من خلال قواعد ومبادئ واضحة.

لقد وضع الأساس الذي بني عليه التحليل الفني الحديث بالكامل. وما زالت أفكاره بعد أكثر من مئة عام تشكل العمود الفقري لفهم الأسواق المالية والاتجاهات وسلوك المستثمرين حول العالم.

ولهذا السبب سيبقى اسم تشارلز داو واحدا من أعظم الأسماء في تاريخ الأسواق المالية.

ابدأ التداول في أسواق المال مع وجهة للوساطة المالية

اصبح وسيط معرف الآن

سجل الآن