Preloader
Black-Monday

في تاريخ الأسواق المالية، هناك أيام تتحول إلى أكثر من مجرد جلسات تداول سيئة. تصبح أحداثاً فاصلة تعيد تشكيل طريقة فهم المستثمرين للمخاطر، وتدفع الحكومات والجهات التنظيمية إلى تغيير القواعد التي تحكم الأسواق. ويعد الاثنين الأسود في 19 أكتوبر 1987 واحداً من أبرز هذه الأيام.

في ذلك اليوم، تعرضت الأسواق المالية العالمية لانهيار مفاجئ وسريع، وسجل مؤشر داو جونز الصناعي في الولايات المتحدة أكبر انخفاض يومي في تاريخه من حيث النسبة، بعدما تراجع بنحو 22.6% خلال جلسة واحدة، أي ما يعادل 508 نقاط في ذلك الوقت. ولم يكن الانهيار محصوراً في الولايات المتحدة، بل امتدت موجة البيع إلى أسواق مالية حول العالم، لتكشف للمرة الأولى بهذا الوضوح مدى الترابط الذي بدأ يتشكل بين الأسواق الدولية.

لكن أهمية الاثنين الأسود لا تكمن فقط في حجم الخسائر. فالحدث كشف مجموعة من المشكلات المرتبطة بطريقة عمل الأسواق، وانتشار استراتيجيات التداول الآلي، واستخدام المشتقات، وضعف السيولة، إضافة إلى تأثير الخوف وسلوك المستثمرين الجماعي. وبعده ظهرت مجموعة من الإصلاحات التي ما زالت آثارها موجودة في الأسواق الحديثة حتى اليوم.

بداية القصة: سوق صاعدة بشكل سريع

لفهم ما حدث في 19 أكتوبر، يجب العودة إلى الأشهر التي سبقته.

شهدت الأسواق الأمريكية خلال عام 1987 ارتفاعاً قوياً. فقد ارتفع مؤشر داو جونز بنحو 44% خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، ووصل إلى مستويات قياسية في أواخر أغسطس. هذا الصعود السريع دفع عدداً من المستثمرين والمحللين إلى القلق من أن أسعار الأسهم أصبحت مرتفعة بشكل مبالغ فيه مقارنة بالأساسيات الاقتصادية.

لم يكن ارتفاع السوق نتيجة عامل واحد. خلال تلك الفترة، كان الاقتصاد الأمريكي يشهد تغيرات مهمة، كما أصبحت الاستثمارات الدولية في الأسواق الأمريكية أكثر نشاطاً. وفي الوقت نفسه، تطورت الأدوات المالية وأصبحت المؤسسات الاستثمارية تعتمد بصورة أكبر على العقود الآجلة والخيارات واستراتيجيات التحوط.

وهنا بدأت تظهر مشكلة مهمة: السوق لم تعد مجرد مجموعة من المستثمرين الذين يشترون الأسهم ويبيعونها بناء على رؤيتهم للشركات والاقتصاد. أصبحت هناك شبكة معقدة من الأسهم والعقود الآجلة والخيارات وبرامج التداول والاستراتيجيات الآلية، وكل جزء منها يمكن أن يؤثر في الأجزاء الأخرى.

ومع ارتفاع الأسعار بشكل سريع، أصبحت الأسواق أكثر حساسية لأي خبر سلبي يمكن أن يغير توقعات المستثمرين.

بداية التراجع قبل الاثنين الأسود

في منتصف أكتوبر، بدأت الأجواء تتغير.

ظهرت أخبار اقتصادية وسياسية أثرت في ثقة المستثمرين، من بينها بيانات أظهرت عجزاً تجارياً أمريكياً أكبر من المتوقع، إضافة إلى تراجع الدولار وظهور مخاوف حول السياسة الاقتصادية والعلاقات التجارية.

بدأت الأسواق بالتراجع خلال الأسبوع السابق للانهيار.

في 16 أكتوبر 1987، وهو يوم الجمعة، انخفض مؤشر داو جونز بنحو 4.6%، وكان هذا في ذلك الوقت أكبر انخفاض يومي للمؤشر من حيث النقاط. كما تزامنت الجلسة مع انتهاء مجموعة من عقود الخيارات والعقود الآجلة، وهو ما زاد من تعقيد حركة السوق.

لكن ما حدث يوم الجمعة لم يكن سوى مقدمة لما سيأتي.

خلال عطلة نهاية الأسبوع، بقي المستثمرون أمام حالة من عدم اليقين. وفي الوقت نفسه، كانت الأسواق الآسيوية تستعد لجلسات التداول الجديدة، وعندما بدأت بعض الأسواق هناك بالانخفاض بشكل حاد، انتقلت حالة الخوف بسرعة إلى بقية الأسواق.

كانت الأسواق المالية في تلك الفترة أكثر ترابطاً مما كانت عليه في العقود السابقة، وأصبح بإمكان الأحداث في سوق أن تؤثر في المستثمرين في سوق آخر خلال فترة قصيرة.

ماذا حدث في الاثنين الأسود؟

في صباح الاثنين 19 أكتوبر 1987، بدأت موجة البيع بقوة.

لم يكن عدد البائعين هو المشكلة الوحيدة، بل كانت المشكلة أن عدد أوامر البيع أصبح أكبر بكثير من قدرة السوق على استيعابها عند الأسعار السابقة.

عندما يحاول عدد كبير من المستثمرين البيع في الوقت نفسه، يحتاج السوق إلى مشترين مقابل هؤلاء البائعين. وإذا لم يكن المشترون مستعدين للدخول بالأسعار نفسها، يبدأ السعر بالانخفاض للعثور على مشترين جدد.

ومع انخفاض الأسعار، يزداد الخوف.

ومع زيادة الخوف، يدخل المزيد من المستثمرين إلى جانب البيع.

ثم يؤدي البيع إلى انخفاض الأسعار بشكل أكبر.

وهكذا تتحول الحركة من مجرد انخفاض إلى حلقة متسارعة من البيع والهبوط.

في نهاية الجلسة، خسر مؤشر داو جونز 508 نقاط، أي 22.6% من قيمته في يوم واحد. وما زال هذا الانخفاض يمثل أكبر تراجع يومي للمؤشر من حيث النسبة في تاريخه.

والأهم أن الانهيار لم يكن أمريكياً فقط.

شهدت أسواق مالية في مناطق مختلفة من العالم انخفاضات حادة، ووصل التراجع في سوق نيوزيلندا إلى نحو 60% في إحدى أكثر الحالات تطرفاً. وهذا جعل الاثنين الأسود أحد أوضح الأمثلة المبكرة على الطبيعة العالمية للأسواق المالية الحديثة.

هل كان هناك سبب واحد للانهيار؟

هذه واحدة من أهم النقاط في قصة الاثنين الأسود.

لا توجد إجابة بسيطة تقول إن سبباً واحداً أدى إلى الانهيار.

بعد الأزمة، حاول الاقتصاديون والجهات التنظيمية فهم ما حدث، وظهرت مجموعة من العوامل التي ساهمت في تضخيم الحركة. ومن أهمها ارتفاع السوق بشكل سريع قبل الأزمة، وتغير ثقة المستثمرين، والبيع المؤسسي، واستخدام استراتيجيات التحوط، والتداول المرتبط بالمؤشرات، والمشكلات المتعلقة بالسيولة وهيكل الأسواق.

بمعنى آخر، لم يكن هناك بالضرورة حدث اقتصادي واحد يكفي وحده لتفسير خسارة أكثر من خمس قيمة مؤشر داو جونز في جلسة واحدة.

كانت المشكلة أن عدة عوامل اجتمعت في الوقت نفسه.

دور “تأمين المحافظ”

من أكثر المفاهيم ارتباطاً بالاثنين الأسود ما عرف باسم Portfolio Insurance أو “تأمين المحافظ”.

كانت هذه الاستراتيجية تستخدم من قبل مؤسسات استثمارية بهدف الحد من الخسائر الكبيرة في حال هبوط السوق. وكانت تعتمد على استخدام العقود الآجلة والمشتقات بطريقة تسمح للمؤسسة بزيادة عمليات البيع عندما يبدأ السوق بالتراجع.

على الورق، كان الهدف هو حماية المحفظة.

لكن المشكلة ظهرت عندما بدأت الأسواق بالانخفاض فعلاً.

عندما ينخفض السوق، تؤدي الاستراتيجية إلى مزيد من البيع. وعندما يؤدي هذا البيع إلى انخفاض أكبر، يمكن أن ينتج عنه المزيد من البيع.

وهكذا أصبحت بعض الاستراتيجيات التي كان الهدف منها تقليل المخاطر على المستثمر عاملاً ساهم في زيادة سرعة الانخفاض عندما أصبحت السوق تحت الضغط.

وقد وصف عدد من الدراسات اللاحقة هذه العملية باعتبارها حلقة تغذي نفسها: انخفاض الأسعار يؤدي إلى البيع، والبيع يؤدي إلى مزيد من انخفاض الأسعار، ثم يؤدي الانخفاض الجديد إلى المزيد من البيع.

وهنا تظهر واحدة من أهم دروس الاثنين الأسود: أحياناً لا تكون المشكلة في الأداة المالية نفسها، بل في الطريقة التي تتصرف بها أعداد كبيرة من المؤسسات عند استخدام الأداة نفسها في الوقت نفسه.

التداول البرنامجي وزيادة سرعة الانهيار

كان عام 1987 مختلفاً أيضاً بسبب انتشار التداول البرنامجي.

في تلك الفترة بدأت المؤسسات الاستثمارية تستخدم أنظمة وبرامج لتنفيذ مجموعة من أوامر التداول وفقا لقواعد محددة. لم تكن هذه الأنظمة متطورة كما هي أنظمة التداول الآلي اليوم، لكنها كانت خطوة مهمة نحو الأسواق الحديثة.

ومع ارتباط تداول الأسهم بالعقود الآجلة والمؤشرات، أصبحت بعض الاستراتيجيات قادرة على نقل الضغط من سوق إلى آخر.

فعندما يحدث انخفاض قوي في سوق الأسهم، قد يؤدي ذلك إلى تحركات في العقود الآجلة، والتي يمكن أن تؤثر بدورها في الأسهم. ومع استخدام استراتيجيات التحوط والمراجحة، أصبح هناك ترابط أكبر بين الأسواق.

لذلك لم يعد الانخفاض يتحرك دائما بطريقة بسيطة من سهم إلى سهم.

أصبح من الممكن أن ينتقل الضغط عبر مجموعة كاملة من الأدوات المالية.

وقد أظهرت التحقيقات اللاحقة أن العلاقة بين سوق الأسهم والأسواق المرتبطة بالمشتقات كانت من العناصر المهمة لفهم سرعة الانهيار.

المشكلة الأكبر: السيولة

رغم الحديث كثيراً عن التداول البرنامجي والمشتقات، هناك عنصر آخر بالغ الأهمية: السيولة.

السوق قد تبدو عميقة ومستقرة عندما تكون عمليات البيع والشراء متوازنة. لكن عندما يحاول عدد هائل من المشاركين البيع في الوقت نفسه، يمكن أن تختفي السيولة بسرعة.

وهذا ما يجعل الأسواق مختلفة عن الحسابات النظرية البسيطة.

قد يملك المستثمر أصلاً مالياً بقيمة معينة، لكنه لا يستطيع بالضرورة بيعه بهذه القيمة عندما يحاول الجميع البيع في الوقت نفسه.

في الاثنين الأسود، أصبح عدد أوامر البيع ضخما لدرجة أن آليات السوق واجهت صعوبة كبيرة في التعامل معها. وكانت هناك أيضا اختلافات في مواعيد التسوية بين أسواق الأسهم والخيارات والعقود الآجلة، ما زاد من الضغط على النظام المالي.

وهذا يعني أن الانهيار لم يكن مجرد انخفاض في الأسعار، بل كان اختباراً حقيقياً للبنية التحتية التي تقوم عليها الأسواق.

الثلاثاء الأسود والخوف من استمرار الانهيار

بعد الاثنين الأسود، لم تنته الأزمة مباشرة.

في اليوم التالي، 20 أكتوبر، استمرت الأسواق تحت ضغط شديد، ووصل مؤشر داو جونز خلال الجلسة إلى مستويات منخفضة جدا قبل أن يبدأ بالتعافي.

كانت هناك مخاوف من أن يؤدي الانهيار إلى أزمة مالية واقتصادية واسعة تشبه ما حدث في أزمات سابقة.

لكن شيئاً مهماً حدث في تلك المرحلة.

دخل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بقوة على خط الأزمة.

في اليوم التالي للانهيار، أصدر رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، ألان غرينسبان، بياناً أكد فيه استعداد البنك المركزي لتوفير السيولة لدعم النظام المالي. كما شجع الاحتياطي الفيدرالي البنوك على الاستمرار في إقراض شركات الأوراق المالية.

كان لهذا التصرف أثر مهم في تهدئة المخاوف المتعلقة بقدرة المؤسسات المالية على الاستمرار في العمل.

وبحسب البيانات التاريخية، ارتفع إقراض أكبر عشرة بنوك في نيويورك لشركات الأوراق المالية بشكل كبير خلال أسبوع الأزمة، رغم أن استخدام نافذة الخصم التابعة للاحتياطي الفيدرالي لم يرتفع بنفس الصورة.

لماذا لم يتحول الاثنين الأسود إلى كساد جديد؟

رغم حجم الانهيار، لم تتحول أزمة 1987 إلى أزمة اقتصادية طويلة مثل الكساد الكبير.

وهذه نقطة مهمة جداً.

بعد الاثنين الأسود، تمكنت الأسواق من استعادة جزء كبير من خسائرها بسرعة. وخلال جلستين فقط، استعاد مؤشر داو جونز نحو 57% من النقاط التي خسرها في الاثنين الأسود. وبعد أقل من عامين، تجاوزت الأسواق الأمريكية مستوياتها السابقة للانهيار.

كما لم يترافق انهيار 1987 مع موجة واسعة من انهيارات البنوك أو سحب جماعي للودائع كما حدث في بعض الأزمات المالية التاريخية.

وهذا يعني أن انهيار سوق الأسهم، مهما كان عنيفاً، لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار اقتصادي شامل.

لكن ذلك لا يقلل من خطورة ما حدث.

فالاثنين الأسود أثبت أن النظام المالي نفسه يمكن أن يدخل في حالة من الفوضى خلال ساعات، حتى في غياب انهيار اقتصادي شامل.

الإصلاحات التي غيرت شكل الأسواق

ربما يكون أهم أثر للاثنين الأسود هو ما حدث بعده.

بدأت الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة بإعادة دراسة طريقة عمل الأسواق، وخاصة العلاقة بين الأسهم والعقود الآجلة والخيارات، وآليات التداول والتسوية وإدارة المخاطر.

ومن أهم النتائج التي ظهرت لاحقا كانت قواطع التداول أو Circuit Breakers.

الفكرة بسيطة: إذا انخفض السوق بسرعة وبنسبة كبيرة، يمكن إيقاف التداول مؤقتا لإعطاء المستثمرين وقتا لاستيعاب المعلومات وإعادة تقييم قراراتهم.

قبل الاثنين الأسود، لم تكن الأسواق تمتلك نظاماً متطوراً لإيقاف التداول خلال الانخفاضات الحادة بهذه الطريقة.

أما بعد الأزمة، فأصبحت قواطع التداول جزءً أساسياً من أنظمة إدارة المخاطر في الأسواق.

كما جرى العمل على تحسين أنظمة التسوية والتنسيق بين الأسواق المختلفة، لأن اختلاف مواعيد تسوية معاملات الأسهم والمشتقات كان من نقاط الضعف التي ظهرت أثناء الأزمة.

هل كان الاثنين الأسود سببه التداول الآلي؟

من السهل جداً اختصار القصة بالقول إن “الروبوتات دمرت السوق”.

لكن هذه الصورة غير دقيقة.

التداول البرنامجي كان أحد العوامل التي ساهمت في زيادة سرعة الانهيار، لكنه لم يكن السبب الوحيد.

فالأسواق كانت تشهد ارتفاعاً قوياً قبل الأزمة، وثقة المستثمرين بدأت بالتراجع، وكانت هناك مخاوف اقتصادية وسياسية، كما أن استخدام استراتيجيات التحوط والمشتقات ساهم في زيادة الضغط، بينما لعب نقص السيولة دوراً أساسياً في جعل حركة الأسعار أكثر عنفاً.

والأهم أن الانهيارات الحادة ليست ظاهرة مرتبطة حصراً بالتداول الآلي. فقد شهدت الأسواق انهيارات شديدة حتى في فترات كانت فيها معظم عمليات التداول تتم بشكل يدوي.

لذلك، فإن الدرس الحقيقي ليس أن التكنولوجيا سيئة، بل أن أي نظام يمكن أن يزيد سرعة الخطر عندما تتجمع الظروف المناسبة لذلك.

ما الذي تعلمه المستثمرون من الاثنين الأسود؟

ترك الاثنين الأسود مجموعة من الدروس التي ما زالت مهمة للمستثمرين حتى اليوم.

أول هذه الدروس أن الارتفاع المستمر لا يعني أن السوق سيستمر في الصعود. قبل الانهيار، كانت الأسواق قد ارتفعت بقوة، وكان من السهل أن يعتقد المستثمرون أن الاتجاه سيستمر.

الدرس الثاني هو أن السيولة ليست مضمونة دائماً. قد يبدو السوق عميقاً في الظروف الطبيعية، لكنه يمكن أن يصبح شديد الاضطراب عندما يحاول عدد كبير من المشاركين الخروج في الوقت نفسه.

الدرس الثالث يتعلق بإدارة المخاطر. استراتيجية التحوط التي تبدو مفيدة في الظروف العادية يمكن أن تنتج آثاراً مختلفة تماماً عندما يستخدمها عدد كبير من المستثمرين بالطريقة نفسها.

والدرس الرابع هو أهمية فهم الترابط بين الأسواق.

الأسهم لا تتحرك دائماً بشكل منفصل عن العملات والعقود الآجلة والخيارات وأسواق السندات. ومع تطور الأسواق العالمية، أصبح الترابط أكبر بكثير مما كان عليه في الماضي.

أما الدرس الأهم، فهو أن السوق لا تحتاج دائما إلى كارثة اقتصادية ضخمة حتى تنهار بشكل حاد.

أحياناً يكفي أن تتراكم مجموعة من العوامل الصغيرة والمتوسطة، ثم تتغير ثقة المستثمرين، ويبدأ الجميع بالتصرف في الاتجاه نفسه.

الاثنين الأسود والأسواق الحديثة

قد يبدو الاثنين الأسود حدثاً قديماً، لكنه في الحقيقة ساهم في تشكيل الأسواق التي نعرفها اليوم.

قواطع التداول الموجودة في البورصات الحديثة، وأنظمة إدارة المخاطر، والتنسيق بين الأسواق، والاهتمام الكبير بالسيولة، كلها تأثرت بشكل أو بآخر بالدروس التي ظهرت خلال أزمة 1987.

وفي الأسواق الحديثة، أصبحت سرعة انتقال المعلومات أكبر بكثير. يمكن لخبر اقتصادي أو قرار سياسي أن يصل إلى ملايين المستثمرين خلال ثوان، ويمكن لأوامر التداول أن تنتقل بين الأسواق بسرعة هائلة.

وهذا جعل الأسواق أكثر كفاءة في بعض الجوانب، لكنه جعل احتمالية انتقال الصدمات بسرعة أكبر أيضاً.

لذلك، فإن قصة الاثنين الأسود ليست قصة يوم انهارت فيه الأسهم فقط.

إنها قصة عن كيف يمكن للخوف والسيولة والتكنولوجيا والمشتقات وسلوك المستثمرين أن تتجمع في لحظة واحدة وتخلق حركة تتجاوز بكثير حجم السبب الأول الذي بدأها.

الخلاصة

يبقى الاثنين الأسود في 19 أكتوبر 1987 واحداً من أكثر الأحداث أهمية في تاريخ الأسواق المالية. ففي ساعات قليلة، فقد مؤشر داو جونز 22.6% من قيمته، وانتقلت موجة البيع إلى أسواق حول العالم، وكشفت الأزمة عن نقاط ضعف كبيرة في البنية التي كانت تحكم الأسواق في ذلك الوقت.

لم يكن هناك سبب واحد يمكن تحميله المسؤولية كاملة. فقد اجتمعت عوامل اقتصادية ونفسية وهيكلية وتقنية، وساهم استخدام استراتيجيات التحوط والتداول البرنامجي والمشتقات في تسريع الحركة، بينما جعل نقص السيولة الانخفاض أكثر حدة.

لكن الأهم أن العالم المالي خرج من الأزمة وهو يفهم المخاطر بشكل مختلف.

ظهرت قواطع التداول، وتحسنت أنظمة التسوية، وأصبح دور البنوك المركزية في توفير السيولة خلال الأزمات أكثر وضوحاً، كما أصبح المستثمرون والجهات التنظيمية أكثر اهتماماً بالعلاقة بين الأسواق المختلفة.

وقد يكون أكبر درس من الاثنين الأسود هو أن السوق لا يتحرك دائما بطريقة خطية. عندما يبدأ الخوف بالانتشار ويصبح الجميع في الجهة نفسها من السوق، يمكن لحركة كانت تبدو في البداية طبيعية أن تتحول خلال ساعات إلى انهيار تاريخي.

ولهذا السبب، وبعد مرور عقود على ذلك اليوم، ما زال الاثنين الأسود حاضراً في دراسة الأسواق وإدارة المخاطر. فهو يذكر المستثمرين دائماً بأن حماية رأس المال لا تعتمد فقط على توقع اتجاه السعر، بل أيضاً على فهم ما يمكن أن يحدث عندما تتغير ظروف السوق فجأة، وعندما تتحول السيولة إلى مشكلة، وعندما يصبح الخروج من الصفقة أصعب بكثير مما كان يبدو قبل بدايتها.

اصبح وسيط معرف الآن

سجل الآن